عراق المحبة

قلب يجمع كل العراقيين والعرب الشرفاء
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلالأعضاءالمجموعاتدخول

شاطر | 
 

 رؤية المدينة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
حسام
عضو فعال
avatar

عدد الرسائل : 29
العمر : 57
تاريخ التسجيل : 15/04/2007

مُساهمةموضوع: رؤية المدينة   الإثنين أبريل 16, 2007 10:30 am

اعتزازا بالكاتب سلام ابراهيم ننشر فصل من روايته مع تحياتنا للجميع
رؤيا المدينة*
الجزء الأول


سلام إبراهيم

إلى صديقي المرحوم هاتف حسين

أيقظني صوت ناعمٌ يدعوني للنهوض. ساكناً في باطن العماء، مطبق الأجفان وكأنني لم أسمع شيئاً. حاولت التذكر. ثمة سديم يتلاطم في رأسي. مددت ساقيّ، اصطدمتا بجدار رطب. أبعدتُ ذراعي إلى الجانبين، لاصقتا جدار هو الأخر لزج وجدتني أتكئ عليه. استرخيت وجعلت أتنفس هواء حضني بهدوء. أين أنا الآن؟. في أي بقعة من الوجود؟ من أين أتيت وإلى أين أريد؟!. أسئلة تدور، وتضيع في عتمة هوجاء تعصف بكياني.. كأنني تخلقّتُ تواً من رحم الرخام.
ـ قم.. يا روحي.. قم!.
ضمختني النبرة الحانية بالطيب، وأذهبتْ فزعي وذهولي قليلا. الصوت ناعم، قريب، دافئ، مصحوب بأنفاس أليفة.
ـ قم يا مسكين!!!.
أنها تردد نفس عبارة أمي حينما تجدني في موقف حرج.
ـ من تكون هذه الأنثى؟!.
وبغتة ازدحمت مخيلتي بوجوه نسوة، خارجات من أبخرة السديم، غائبات في نواحيه البعيدة. حشد مسرع اربكني. وجوه تنضح بالعافية. وجوه ساحرة أخذت ردحاً من زمني. وجه أمي، عمتي، أخواتي، خالتي، زوجات أعمامي، بنات الجيران، زميلاتي في الجامعة، رفيقات مقاتلات توطدت علاقتي معهنَّ في الجبل. وجوه نساء فاتنات الجمال رأيتهن لمرة واحدة في أسواق المدن، الأضرحة، الأزقة الضيقة، خلف النوافذ، الأبواب. وجوه تخطف وتغيب. وجوه دون أمكنتها، صافية، مجردة، تشي بقصصها معي، أغرقتني بأحاجي مطلسمة لا أول لها ولا أخر، وكأنها حدثت لي في أزمنة غابرة. لم أتزحزح. وفسحة التذكر زادت في غموض وضعي. لبستني روح الرخام اللين في تكوري على البقعة المجهولة بين حوائط ناعمة. أنتظر في برهة صمتٍ حلت منذُ هنيهة.. أنتظر ما سأكون عليه في اللحظات التالية، إلى أن شعرت بصبيب الأنفاس العطرة يندلق على جسدي حياً نابضاً:
ـ قلتُ.. قم يا روحي.. قم.. ما الذي فعل بك كل هذا؟!.
ـ …
ضممتُ وجهي بين ذراعي المشتبكتين. أحكمت الطوق شاداً على محيط رأسي، غارقاً في اللهاث.. من تكون يا إلهي؟! من؟!.
أكملت قائلة:
ـ من الذي طمسك في هذه الأجواف السحيقة؟!.. هيا أعطني يدك.. هيا!.
أصابع رخصة تنبض حناناً ربتت على رمانة كتفي. خف توتري. وضعت كفي مبسوطتين على رأسي المطأطأ. شبكتْ أصابعي. لفحتني الأنفاس ورائحة الجسد الحميم المنحني فوقي.. أنها رائحة عمتي الجميلة التي طالما عببتُ منها لحظات العناق في طفولتي البعيدة، وحين عودتي من سفرٍ طويل.. رائحة ظل عطرها الفريد يؤنس وحشتي في الأوقات الصعبة في الجبهة وحرب الجبل، في الزنزانة ووقت الخطر. تزحزحت على حفيف ثوبها المحتك بجسدي. رفعت رأسي ببطء شديد وكأنني أريد البقاء غارقاً في العطر المدوخ، هسيس الثوب، ملمس الأصابع الناعمة الصغيرة، ولهاثها المتلاحق الخفيف. فتحت عيني. حدقت بالوجه المنحني فوقي. لم أتبين شيئاً، فالقسمات تظاهر نور أزرق باهت ينفذ من ثقوب بدت بعيدة. قلت لنفسي: أنها عمتي إذن.. وخلفها ثقوب الأرسي والباحة. أأكون كما في الخميس الفائت، حينما أنهكني السهر والتوتر طوال الليل، فسقطت في الصبيحة التالية في النوم حتى المساء، مما جعلها تصعد لتوقظني. فرحت للخاطر موقناً أن ما جرى لي في متاهة الصخر، ومتاهة السراديب لم يكن سوى كابوسٍ من كوابيس رعبي. أنهضتني. انتصبتُ بمشقة. كان جسدي يوجعني من مواضع عدة كأن أحدهم أوسعني ضرباً مبرحاً:
ـ أتشعر بألم؟!.
هززت رأسي، أردفتْ:
ـ لطول مكوثك دون حراك.
سحبتني برفق من ساعدي. يممتْ صوب الباب، أو هكذا ظننت للوهلة الأولى. لكن بدلاً من باب الصفيح والسقف الخفيض وجدتها تخوض بي في أحشاء ممر أرضيته وسقفه وجداريه من رخام رطب، متجهة نحو بقعة الضوء الشحيح اللائحة في الأعالي. ارتقينا سلالم من المعدن، حلزونية. يرن على درجاتها الضيقة وقع أقدامنا رنيناً يضيع صداه في صمت التجاويف السفلية. أفضى بنا السلم الطويل إلى فسحة حجرية انتهت بخمس درجات مضاءة بنور باهت يتسرب من شقوق في باب عظيمة. أما زلت في أمكنة الكابوس؟!. والتفت نحو اللصيقة الماسكة بكفي بين أصابعها. كنا على حافة الفسحة الزرقاء. حملقت من الجانب في العين الواسعة والأنف، والحاجب والجبهة، الفم والوجنة الناحلة. حملقتُ بذهول. لم تكن عمتي. إنها امرأة أخرى لكنها أليفة أيضاً. تحسست أصابعها الصغيرة بأصابعي. ليس أخيلة إذن بل وجودها فيزيقي مكين. لحمها بين أصابعي. ليس ثمة كابوس.. ليس!. والتبست برأسي الأفكار والأحداث والمشاهد والأزمان والمعاني. الوجه أليف، حميم، منقذ في وحشة هذه الأمكنة الغريبة. رفعت إحدى قدميها لتصعد الدرجة الأولى. عاندت بجسدي مثبتاً قدمي على حجر الفسحة. أضطرب خطوها. تلكأت قبل أن تتوقف مستديرة نحوي. أصبحت بمواجهتي تماماً، مضاءةً بالزرقة الباهتة. رمقني بعينين حنونتين. أبحرتُ في عسل الحدقتين الصافي. أبحرت في الغور اللذيذ. أبحرت، فاهتززتُ من الأعماق بغتةً.. أنها جارتي ـ نادية ـ زوجة مصلح إطارات السيارات الأعور السكير الذي وجدوه في فجرٍ شتائي بارد ميتاً جوار صندوق قمامة مدخل الشارع .
ـ أتكون هي من ناداتني في تحجري الخميسي بالأرسي؟
ـ كيف عثرت على مخبئي؟
ـ ماذا تريد مني؟
ـ وإلى أين تبغي بي في هذه المتاهات؟!.
تفجرت الأسئلة فيما كنتُ مسفراً في التضاريس القديمة التي عاشرتني في طفولتي وصباي. كنتُ أزجي وقتي باللعب في حوش دارهم الواسع. أعطش فتسقيني، أجوع فتطعمني رغيفاً ساخناً تستخرجه من التنور. أقضي سحابة النهار على تراب دارها. أتسلق السدرة الشاهقة، أختل بين شجيرات الحديقة الصغيرة وسط الحوش. أبحث في حلكة حجرة المخزن المعزولة بطرف الفناء في الأواني القديمة والخرق البالية. أمكث وقتاً طويلاً أعب من روائح الملابس المتروكة والحيطان المنسية والأخشاب والأواني النحاسية الصدئة. أعبُّ من وهج أنفاسٍ تنبثق من ركام المتروكات. أضيع ساعات تبدو عندما أتذكرها وكأنها أزمنة أخرى، مطلقة، حاضرة في كل حين، وقتها في الطفولة، وفي التذكر لاحقاً، وفي تأملاتي الشاردة في صباحات الاختفاء والجبل والجبهة، وفي هذه اللحظة وأنا أقف جوارها جوار السلالم المؤدية إلى الباب العظيمة المتسرب من شقوقها الرشيقة نور فجر بعيد. ومن غمرة ضياعي اليومي بين الأشياء القديمة أيقظني فخذاها العاريتان اللتان كانتا أليفين أموميين، فطالما وقعتا تحت ناظري أوقات لهوي في حوش دارهم الفسيح من نافذة غرفة المخزن الصغيرة، لكن تلك المرة مختلفة.. أربكتني، وجعلتني التجئ في الأيام التالية إلى تلك الغرفة المهجورة بقصدٍ مسبق، منتظراً بلهفة ـ كنتُ لا أعرف دوافعها ـ لحظة انشغالها في غسل الثياب في الطست الخزفي المدور جوار حوض حنفية الدار. أكمن خلف نافذة المخزن المتطرف منتظراً لحظة هبوطها الممتعة على تخت خشبي ناصٍ نجره لها أبي النجار الذي كان يتسلل إليها، كلما احتدمت مشاكله مع أمي الصارمة، في تمنعها عن مشاركته سرير النوم عقب عودتها من مكة. أكمن مهبولاً بلدانة بياض الفخذين المنفرجيتن. أتتبع قطرات الماء المتناثرة من الطست، والسائلة من أعلاه إلى حافة اللباس العريض المتهدل، لتغيب في منبت السر وجذوة النار المطلسمة في الغابة السوداء الرابضة كدرعٍ فوق النقطة الحائرة. أتتبع النقطة الناصعة إلى حين غيابها. أتتبع القطرات. من غرفة المخزن، من العتمة، وجدتني أسقط في أمنية مستحيلة.. أمنية لمس الفخذين المتحركتين أثناء انشغالها في شؤون البيت. كنت في مكمني الجديد القديم أخالس النظر إلى حالتها البشرية في تنوعها الفريد.. في استلقائها وسط الحوش في القيلولة، في انحنائها وهي تكنس الباحة، فينحسر ثوبها الأبيض العريض من الخلف فاضحاً متانة فخذيها اللدنتين الناعمتين. كان يستعر في أعماقي شيءٌ جديد.. أحدق.. أحدقُ في اللحم، في شأنه الجديد، مثبتاً ناظري في البقعة السرية الكامنة بين الفخذين، والمغطاة أبداً بنسيج القماش العريض أو الضيق. كنت في تلك المحنة وأنا خلف النافذة أتسأل:
ـ لم يخفونه تحت الأردية؟!.
متصلب الوسط أطل على مساحة الشهوة المتجسدة في اللحم الشهي النابض، وفي مرة أمسكت قضيبي المتوتر، شددت عليه كي يستكين، لكنه كان عنيداً. فوجدتني أداعبه إلى أن أحسست بكل كياني يتوتر قبل أن ينقذف سائل ساخن لزج بلَّ لباسي ودشداشتي. تسللت خفية إلى الشارع شاعراً بالخجل. ومن يومها لم أكف عن الاختباء في حجرة المخزن، للتلصص والابتلال الذي عاد لاحقاً غير مصحوب بتأنيب الضمير.
ـــــــــــــــــ
* فصل من رواية ـ برازخ وأخيلة ـ معدة للطبع
منقول
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
رؤية المدينة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
عراق المحبة :: ثقافة :: القصة-
انتقل الى: